الموقع الرسمي لفضيلة

تابعونا :

أكتوبر 31 , 2013 ميلادي

الأستاذ أحمد بدوي مصطفى أربعون عاماً في التربية والتعليم

طباعة المقال

 

الأستاذ أحمد بدوي مصطفى  "أبو التوفيق"، أربعون عاماً في التربية والتعليم

 

1901م ـ 1994م

 

بقلم  عمار بدوي

     يعد الأستاذ "أحمد بدوي مصطفى" أبو التوفيق، رحمه الله من رجالات التربية والتعليم الأوائل الذين أرسوا قواعد التعليم، وخدموا رسالة التربية والتعليم في طولكرم خاصة، وفي فلسطين عامة في مطلع القرن المنصرم، فقضى أربعين عاماً في التدريس والتعليم. وهذه المقالة القصيرة إطلالة تعريفية به، فهو مثال الفلسطيني المثابر على العلم في زمن عمّ فيه الجهل.

ولادته ونشأته:

     ولد الأستاذ أحمد بدوي في بلدة "مجدل الصادق" عام 1901م، فكان القرن العشرين فاتحة خير عليه، بدأت رحلته فيه مع الحياة، وكان والده الحاج مصطفى أيوب رحمه الله رجلاً متعلماً، ذا نزعة صوفية، وشاعراً بالسليقة العربية الأصيلة، رعى ولده أحمد، ولم ينجب في تلك المرحلة سواه من الذكور مع أنه كان مقترناً بأربعة نساء، إلى أن منّ الله عليه تعالى بولد آخر. وانتقلت عائلة الأستاذ أحمد من "مجدل الصادق" إلى بلدة شويكة من ضواحي طولكرم حالياً، لأسباب تتعلق بالضرائب العثمانية. وكان عدد من أجداد عائلة أيوب قد سكن في شويكة، في أواخر القرن التاسع عشر. وكانت فلسطين تخضع لحكم الدولة العثمانية.

دراسته ومراحل طلب العلم:       

المرحلة الأولى: المدرسة الابتدائية في طولكرم: 1909ـ 1912م.

     كان الحاج مصطفى متعلماً صاحب عِمّة أزهرية بفلسطين، وقد حرص على تعليم ولده إلى أن ارتقى في معارج العلم في ذلك الزمن الغابر الذي قلما تجد فيه من يقرأ المكتوب، أو يعرف القراءة عموماً، وتفشى الجهل والأمية في أرجاء فلسطين. فأرسل ولده إلى مدينة طولكرم عام 1909م؛ لينهل العلم في مدرستها الوحيدة آنذاك، والتي تقع بالقرب من المسجد القديم "مسجد عمر بن الخطاب"، في بيت آل عويضة الكرام. قضى الطفل أحمد ثلاث سنوات، وهو يغدو ويروح إلى تلك المدرسة إلى أن أنهى الصف الثالث الابتدائي في العام 1912م. ولم يكن في طولكرم ومنطقتها مدرسة تدرس أعلى مرتبة من الصف الثالث الابتدائي.

كان الطلاب  يدرسون في المدارس الابتدائية؛ اللغة التركية والقرآن الكريم والخط والحساب. وفي المدارس الإعدادية يدرسون اللغات التركية والعربية والفارسية والفرنسية والتاريخ والجغرافيا والرياضيات وعلم النبات والحيوان والميكانيكا. وقد ظلت اللغة التركية اللغة الرسمية للتدريس حتى عام1910م.

المرحلة الثانية: يطلق عليها المرحلة "الرشيدية" في المدرسة الرشيدية بالقدس 1913ـ 1915م.

     ظهرت علامة النجابة على الطفل أحمد، كما برزت عوامل الرضا من والده الحاج مصطفى؛ فقرر إرسال ولده إلى مدينة القدس؛ ليلتحق هناك "بالمدرسة الرشيدية"، وهذه تعدّ خطوة هامة جداً من رجل عاش في بيئة تلتئم على نفسها، وما عهدت مغادرة البلد، ومفارقة الأهل لطلب العلم في تلك الحقبة العثمانية. وفي العام 1913م، حطّت رحال أحمد البدوي في القدس، ليلتحق هناك بتلك المدرسة الشامخة التي تأسست عام 1906م في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى أحمد رشيد بك متصرف القدس. وتندرج هذه المدرسة تحت ما تعارف عليه باسم المدارس السلطانية, تطورت هذه المدرسة في الحرب العالمية الأولى فأصبحت مدرسة ثانوية كاملة من اثني عشر صفاً، كانت المدرسة أولية، وفيها قسم ثانوي. تبوأت المدرسة الرشيدية مكانة مرموقة في فلسطين وخارجها، فزاد التعليم فيها عن الثانوي بسنتين أخريين، فصارت تؤهل خريجيها الحاصلين على شهادة الثانوية العامة (المتريكوليشن )، لدراسة الطب والهندسة بدراسة مواد خاصة تحضيرية. وكانت السنتان الدراسيتان في المدرسة تعادلان الإعدادية في كليتي الطب والهندسة. قضى أحمد البدوي في المدرسة الرشيدية سنتين من العام 1913م إلى العام 1915م.

المرحلة الثالثة:  الثانوية (الثاني ثانوي) في الكلية الصلاحية بالقدس1913-1918م.

     كانت المثابرة، دافعاً لنيل أعلى المراتب العلمية في فلسطين في العصر الذي عاش فيه البدوي، فعزم والده الحاج مصطفى على إرساله مرة أخرى لمدينة القدس، ولكن هذه المرة لينال ناصية العلم في أعلى مراحله الدراسية؛ وهي الثانوية؛ فأعدّ العدة لتلك المرحلة المفصلية، وحين فارق الأهل في ضاحية شويكة من طولكرم، احتشد عدد كبير من الناس ليكونوا في وداع الطالب النجيب المثابر، وارتجل والده بيتين من الشعر قالهما في هذه المناسبة العزيزة، بلدة تودِّع ابنها ليقطف عناقيد العلم من ناصية المدرسة الصلاحية في القدس. تلك المدرسة المنسوبة للقائد البطل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، والذي حرر القدس من ظلم الصليبيين. مكث البدوي خمس سنوات في القدس يتعلم ويدرس من أساتذتها، وشيوخها، وعلمائها وقضاتها، إلى عام 1918م. وطوى البدوي مرحلة التعليم الثانوي في تلك الحقبة الزمنية، ونال شهادة الثاني ثانوي، حسب سُلًّم التعليم العثماني، قبل أن ترزح فلسطين تحت الحكم البريطاني.

مرحلة شهادة امتحان المعلمين الأدنى. 1924م. في عهد الاحتلال البريطاني.

     أنهى البدوي مراحل التعليم المدرسي إبّان الحكم العثماني لفلسطين، ولم تسعفه الظروف المحيطة به أن ينتقل إلى خارج فلسطين التي أصبحت في قبضة الاحتلال البريطاني البغيض. وخضع التعليم لإدارة المعارف، وابتدع الانجليز شهادتين علميتين، الأولى هي امتحان المعلمين الأدنى، والثانية هي امتحان المعلمين الأعلى. أما شهادة امتحان المعلمين الأدنى فهي مستوى عالٍ من التعليم أعلى من الثانوية، تعطي حاملها كفاءة مميزة يدخل من خلالها إلى الوظيفة الحكومية، وأما الثانية فهي توازي درجة البكالوريوس، ومن الفلسطينيين من بنى عليها وأكمل الماجستير، والدكتوراة أمثال الدكتور محمد حسين علي من سفارين بطولكرم، والدكتور محمود إبراهيم من مواليد باقة الشرقية بطولكرم، (1924ـ 1999م) رحمهما الله تعالى.

     أما الأستاذ أحمد البدوي، فتقدم مبكراً لامتحان شهادة المعلمين الأدنى، وهو أكبر سِنّاً من الدكتورين الفاضلين. تقدم عدد من الطلبة لنيل تلك الدرجة العلمية، فنجح منهم اثنا عشر طالباً، ونال البدوي بنجاح شهادة امتحان المعلمين الأدنى عام 1924م، وكان ترتيبه السادس.

مرحلة العمل الوظيفي الحكومي: 1922ـ 1961م.

بعد أن نال البدوي تلك الشهادات العلمية، يبدو أنّ منادي العمل دعاه "حيّ على العمل"؛ فالتحق بمهنة التدريس في التربية والتعليم التي كانت  خاضعة لإدارة المعارف في سلطة الاحتلال الإنجليزي التي تقلّدت المسؤولية عن التعليم، والحياة عامة في فلسطين. انهمك الأستاذ أحمد بمهنة التدريس، وأخذ العمل فيها جهده، ووقته، ويبدو أنّ قراره النهائي قد انعقد على اختيار هذه المهنة، وأن يبقى في فلسطين معلماً للأجيال، لا يبرحها لا لشهادة أعلى، ولا لمركز آخر. ولا أدري هل كان ذلك بإيعاز من والد الحاج مصطفى الذي تأمل فيه خيراً، أم هي الحاجة لتعويض تلك النفقات التي تكبدها في فترة الدراسة، أم هي المسؤوليات التي تنتظره، أم هو الاختيار والانحياز لقرار الوظيفة الحكومية في تطاق التعليم؟

     وشاءت الأقدار أن تكون قرية "دير بلوط" أول قرية فلسطينية يعمل فيها الأستاذ أحمد في مهنة التعليم وذلك من 15/9/1922م إلى 31/1/1923م. ثم اقترب من بلده نوعاً ما فانتقل إلى قرية قفين وكانت تابعة لقضاء جنين وقتها، وذلك من تاريخ 21/2/1923م إلى 2/9/1931م. ثم انتقل إلى برقة من 3/9/1931م إلى 19/8/1932م، ثم انتقل إلى ذنابة من 20/8/1932 إلى 18/12/1936م. ثم استقر به الحال في دير الغصون من 19/12/1936 إلى 31/8/1961م، وبدير الغصون ختم خدمته بالعمل في المدارس الحكومية التابعة للتربية والتعليم من العهد الإنجليزي البغيض إلى فترة الحكم الأردني للضفة الغربية. وفي هذا التاريخ أحيل إلى التقاعد13/8/1961م.

     وعمل الأستاذ أحمد معلماً في المملكة العربية السعودية لمدة عام في سنة 1963م، بمدينة صامطة من أعمال جيزان، جنوب غرب السعودية. وكان راتبه في السعودية (820 ريالاً). كما عمل بعد تقاعده مديراً لمدرسة خاصة هي الكلية الوطنية بطولكرم عام 1964م. وكانت تقع بالقرب من المدرسة العمرية.

زواجه وأولاده:

     اقترن الأستاذ أحمد البدوي بزوجته "نجمة عارف الشيخ عبد الله عيد"، عام 1924م، بعد أن أنهى تعليمه، واستقرت وظيفته، وقد رزقه الله تعالى منها، تسعة أولاد؛ هم: توفيق وعمل أستاذاً في التربية والتعليم، ورضوان وهو طبيب متخصص بالأمراض الجلدية والتناسلية يقيم بأمريكا، وزين العابدين كان مقيماً بأمريكا. وأسامة يقيم حالياً بالأردن، كما أنجب من البنات؛ بشرى تقيم بدمشق، وهدى تقيم بفلسطين، وأسماء، ولميس، ومَي، يقمن بالأردن. وقد عملت ابنته أسماء في حقل التعليم، كما عملت مَي طبيبة أسنان.

نزوحه من فلسطين إلى الأردن عام 1967م. ووفاته.   

     في عام 1967م، وقعت حرب حزيران،  وأجبرت قوات الاحتلال الإسرائيلي كثيراً من أبناء الشعب الفلسطيني على النزوح من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن، وكانت أسرة البدوي من بين هؤلاء النازحين، وعقب ذلك سكن في عمان 24/8/1967م، ثم انتقل إلى مدينة جرش 15/8/1968م، ومكث فيها سنوات طويلة إلى أن توفيت زوجته "أم التوفيق" سنة 1989م، فانتقل للسكن في عمان في بيت تابع لبيت ابنته أسماء، إلى أن توفاه الله تعالى في عام 1994م. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنّاته.