الموقع الرسمي لفضيلة

تابعونا :

أبريل 22 , 2013 ميلادي

الشقيقان المسجد الحرام والمسجد الأقصى وهل ينسى الشقيق شقيقه؟

طباعة المقال

الشقيقان المسجد الحرام والمسجد الأقصى وهل ينسى الشقيق شقيقه؟

عمار توفيق أحمد بدوي/مفتي محافظة طولكرم/ فلسطين

نُشر في مجلة الإسراء المقدسية عدد81  

    وُلِدَ الشقيقان المسجدُ الحرام، والمسجدُ الأقصى من رَحِمٍ واحد؛ هو رَحِمُ البَرَكةِ، والقداسةِ. وعلى فراش الطّهر، ومهدِ القُدُسية. الأول: فَرَشَتْ له مكةُ بطاحَها السَّمراء، والثاني: مدّتْ له فلسطينُ ربوعَها الخضراء، فاتكأَ على صخرتِها المباركة.

    وحينما نتحدثُ عن المساجد؛ فإننا نتحدث عن خيرِ البقاع في الأرض، عن ابن عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْبِقَاعِ شَرٌّ قَالَ: "لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرِيلَ"، فَسَأَلَ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ مِيكَائِيلَ، فَجَاءَ فَقَالَ: "خير البقاع المساجد وشرها الأسواق"([1]). وإذا ما تحدثنا عن المسجدين الشقيقين المسجد الحرام، والمسجد الأقصى؛ فإننا نتحدث عن أقدس البقاع في الأرض.

    وفي مثل هذه الأيام، تثور لواعجُ الشوق، وتطيرُ قلوبُ المحبين، مع قوافل الحجيج الميمّمين شطر المسجد الحرام؛ فكلما سارت قافلة، أو حدا حادي الركبان بالحجاج؛ كلما غمرت أمواجُ الشوق القلوب، وعبّقت النسائم القدسية في بُرديّ الهائمين بالبيت العتيق.

    هناك حيث المسيرُ الطويل الوعر، الذي شقّ طريقَه جدُنا الخليل إبراهيم عليه السلام؛ يحمل على عاتقه، أبانا إسماعيل عليه السلام ؛ حينما كان وليداً؛ يقطع به المفاوزَ الوعرة، ومجاهيل الطرقات؛ فاستودعَ الله تعالى طفلاً قادماً من فلسطين، استودعه في ذلك الوادي المقفر بين الصخور السوداء الصلداء، فاصطفاه الله سبحانه وتعالى نبيّاً في الصالحين، فقدّر لذلك الطفل أن يكون مختاراً، "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا(54)"[سورة مريم:54]؛ فكان الطفل اليافع أَهْلاً للصعاب، وصاحب العزم المشدود، والصابر على لظى الصحراء، وحرّ الرمضاء، عزمه أصلب من الصخر الأصم حوله، وأمله أوسع من الصحراء تلفّه، هكذا نشأ أبونا إسماعيل قويّاً؛ يمضي فيها ما قدّر له الله أن يمضي؛ ليكون من نسله النّجيب سيّد الثقلين، وإمام المرسلين، المبعوث رحمة للعامين محمد صلى الله عليه وسلم. فالنطفة تلد النطفة؛ فَنُسِلَ محمد صلى الله عليه وسلم من ظهر ذلك النبي الكريم إسماعيل، وأطلق عليه العرب لقب "ابن الذبيحين"([2]).

    وكتبَ الله تعالى في سفر الخلود المكنون؛ أن يعود نسل إبراهيم عليه السلام إلى المنابع الأولى للنبوة في فلسطين المباركة؛ مهد الأنبياء؛ وذلك عَبْرَ رحلة الإسراء والمعراج؛ حيث بيت المقدس؛ مجمع القداسة والبركة؛ فطيّب ثراها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بقدميه الشريفتين، وضمّخ ترابَها بعطره الزكيّ الفوّاح.

يا قوافل الحجيج:

    إذا ما شددتم الرّحالَ، وعقدتم العزم على المسير، وأسرجتم الدابّة، وهيأتم الزاد، والراحلة، ورسمتم بأذهانكم خارطةَ المسير، وهاجت عواطفُكم لرؤية البيت العتيق، والمسجد العتيد، فلا تنسوا أن الرّاحلة تهفو حنيناً، وتحدو طرباً للمسجد الشقيق الحاضر الغائب، إنه المسجد الأقصى المبارك، الذي شرّفه الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ، فجعله ثالث الحرمين، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "وَلاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَمَسْجِدِي هَذَا"([3]).    

    وأنتم تيمّمون شطر المسجد الحرام، اذكروا في أخيلَتِكم، وضمائركم أنّ البيت العتيق، شقيق المسجد الأقصى، فعن أبي ذَرٍّ يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ عَامًاِ»([4]).

    فالمسجدان أبناءُ جيلٍ واحد، عدا أنهما أبناءُ رَحِمِ البركة، والقداسة. فهل دارت الأسئلة الحائرة في أذهانكم، وتساءلتم أين هو الشقيق من شقيقه، والخليل من خليله؟ هل تفكّرتم بثاني المسجدين وجوداً على الأرض، وثاني مسجد عَرَفَه البشر منذ عمَّرَ البشرُ الأرض؟ ولم يكن وقتها نبيّ الله داود، ولا سليمان عليهما السلام، ولا أحد من بني إسرائيل.

يا ضيوف الرحمن:                 

    ستقفون في الصلاة أسراباً، وتتلاصق مناكبكم صفوفاً، وتتماس أقدامكم وقوفاً، وتحيطون الكعبة المشرفة؛ أساور دائرة؛ تحتضنونها بقلوبكم، وصدوركم، وتستقبلون المسجد الحرام قِبلةً في صلاتكم؛ فلا تنسوا أبداً أنه قد كانت لكم قِبلةٌ من قبل؛ هي أولى القبلتين؛ المسجد الأقصى المبارك، واسألوا أنفسكم أين هذه القِبلةُ المنسية اليوم؟

    وكي لا تنسوا هذه القِبلةَ الأولى؛ فقد خلّدها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، فقال جلَّ جلاله، وتقدّست أسماؤه: "سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا"[سورة البقرة:142]. عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا"([5]).   

    وكلما دخلتم المسجد الحرام، وطاب لكم فيه المقام، وقلّبتم النظر في أركان البيت، واكتحلت عيونكم برؤية الكعبة المشرفة؛ فلا تنسوا أنّ هذا المسجد العظيم؛ كان منطلقاً لمعجزة خالدة محَّصت قلوبَ المؤمنين، وأبهرت نفوس المشركين، بما فيها من عجائب القدرة الإلهية الباهرة، ودلائلها الساطعة، وأسري بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم من هذا المسجد القديم بمكة، إلى المسجد الأقصى بالقدس الشريف؛ فلا تنسوا ذلك كله، واقروؤا قول الله تعالى: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)"[سورة الإسراء:1].  فحيثما حللتم في المسجد الحرام، فستظلّ صورة المسجد الأقصى تتراءى في أخيلتكم، ففي كلّ ركن من أركان البيت العتيق همسةٌ حانية تقول: "لا تنسوا الأقصى الشقيق".   

أيها الطائفون بالكعبة المشرفة:

    ستنتظم قوافل الحجيج في حركة الطواف، بداية من الحجر الأسود، وتنتهي به في أشواط سبعة، على مسمّياتها المشروعة، فأنتم ستصلون إلى حِجر إسماعيل عليه السلام، المعروف بالحطيم([6])، وتجعلونه عن يساركم بالطواف، فإذا وصلتموه؛ فتذكروا، ولا تنسوا أنّ نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم كان في هذا المكان الطاهر، ومنه انطلق إلى المسجد الأقصى المبارك، فمن جوار البيت العتيق؛ حيث تحجّ قوافل الحجيج؛ انطلقت قافلة الإسراء في الليلة القمراء المباركة إلى المسجد الأقصى المبارك في القدس الشريف في فلسطين الطاهرة. عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: " بَيْنَمَا أَنَا فِي الحَطِيمِ، – وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الحِجْرِ – مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَقَدَّ: قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ – فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ – فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ [ص:53] مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ البَغْلِ، وَفَوْقَ الحِمَارِ أَبْيَضَ، – فَقَالَ لَهُ الجَارُودُ: هُوَ البُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ – يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيل"([7]).

    وإذا أديتم الصلاة ركعتين بعد الطواف، وسرتم إلى زمزم، تشربون من نميرها الدافق، وسلسبيلها الرائق؛ فاذكروا هناك أمرين، أنّ عين زمزم انبجست بعذب الماء على يد أبينا إسماعيل عليه السلام، القادم من فلسطين المباركة إلى مكة المكرمة. وأمّه هاجر المغتربة عن فلسيطن في ضيافة الرحمن جلّ وعلا. وإذا وصلتم زمزم، وشربتم ماءها؛ فاذكروا الأمر الثاني؛ وهو المسجد الأقصى المبارك؛ فقبل الإسراء من مكة المكرمة إلى القدس الشريف؛ نزل الوحي الأمين جبريل عليه السلام، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا([8])؛ وذلك تمهيداً لرحلته المعجزة إلى المسجد الأقصى المبارك.

أيها الحجّاج العُباد في رحاب البيت العتيق:

    أتيتم البيت العتيق آمّين جنباته الطاهرات، تبتغون أداء الحجّ، والصلاة في جواره المقدّس، وتقيمون الصلاة خُشّعاً في الليل والنهار، فلا تنسوا لحظة واحدة؛ أنّ فريضة الصلاة التي تتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى إنما فُرضت في رحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وبالعروج من المسجد الأقصى للسماوات العُلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلاَةً، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ مُوسَى، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلاَةً، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ، عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَسَلْهُ، فَرَجَعْتُ، فَسَأَلْتُهُ، فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ، ثُمَّ مِثْلَهُ، ثُمَّ ثَلاَثِينَ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عِشْرِينَ، ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عَشْرًا، فَأَتَيْتُ مُوسَى، فَقَالَ: مِثْلَهُ، فَجَعَلَهَا خَمْسًا، فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: جَعَلَهَا خَمْسًا، فَقَالَ مِثْلَهُ، قُلْتُ: سَلَّمْتُ بِخَيْرٍ، فَنُودِيَ إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي، وَأَجْزِي الحَسَنَةَ عَشْرًا"([9]).

    فالمسجد الأقصى يصحبكم في حلِّكم، وترحالكم، وطوافكم، وصلاتكم، فهو الأخ الشقيق للمسجد الحرام.

    ولا شكّ أنكم تلتمسون الأجر والثواب، ومضاعفة الحسنات في صلواتكم، فلا تنسوا أيضاً أنّ المسجد الأقصى تضاعف فيه الحسنات في أداء الصلوات، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ»([10]). ولا تنسوا هذا الحديث النذير البشير، واعقلوه بقلوبكم الرقيقة، وعقولكم الكبيرة، وأحلامكم الرشيدة، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: تَذَاكَرْنَا وَنَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فِيهِ، وَلَنِعْمَ الْمُصَلَّى، وَلَيُوشِكَنَّ أَنْ لَا يَكُونَ لِلرَّجُلِ مِثْلُ شَطَنِ فَرَسِهِ مِنَ الْأَرْضِ حَيْثُ يَرَى مِنْهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا، أَوْ قَالَ: خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا"([11]).

    وأنتم تروحون وتجيئون إلى المسجد الحرام، ابتغاء البركة فيه، لقوله تعالى: " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)"[سورة آل عمران:96]. فلا تنسوا أنّ البركة نزلت، وأحاطت المسجد الأقصى المبارك أيضاً، الذي قال الله تعالى فيه: "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(1)"[سورة الإسراء:1]. وعندما تنزلون بأرض مكة المباركة؛ اذكروا أرض فلسطين المباركة التي قال الله تعالى فيها: "وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)"[سورة الأنبياء:71]. فمكة هدى للعالمين، وفلسطين بركة للعالمين.  

أيها الحجيج أنتم أمواج بشرية فلا تنسوا:

    صحيح أنكم أمواج بشرية اصطخب بهم السهل، والجبل، وتلبيتكم تصدح في السماوات، وتصدع في آفاق الأرض، وأنتم على هذه الحال من الكثرة الكاثرة، والموج اللّجب الموّار، لا تنسوا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم في معجزة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى رأى أمته لَجبة عظيمة، سدّ عددها الفضاء، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَمُرُّ بِالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَمَعَهُمُ القَوْمُ وَالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَمَعَهُمُ الرَّهْطُ وَالنَّبِيِّ وَالنَّبِيَّيْنِ وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ حَتَّى مَرَّ بِسَوَادٍ عَظِيمٍ، فَقُلْتُ: «مَنْ هَذَا»؟ قِيلَ: مُوسَى وَقَوْمُهُ وَلَكَنِ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَانْظُرْ. قَالَ: «فَإِذَا هُوَ سَوَادٌ عَظِيمٌ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ مِنْ ذَا الجَانِبِ وَمِنْ ذَا الجَانِبِ، فَقِيلَ هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ»([12]).    

    فهل ينسى المسجد الأقصى المبارك بعد ذلك كله؟؟ فوصية الأخ الأكبر البيت العتيق لا تنسوا المسجد الأقصى الأخ الشقيق. 



([1]) ابن حبان، محمد: صحيح ابن حبان. تحقيق شعيب الأرنؤوط. ط2. بيروت: مؤسسة الرسالة. 1413هـ/1993م.ج4ص476. وقال الأرنؤوط: حديث حسن. الحاكم، محمد بن عبد الله: المستدرك على الصحيحين. تحقيق مصطفى عطا. بيروت: دار الكتب العلمية. 1411هـ/1999م. ج1ص167. البيهقي، أحمد بن الحسين: سنن البيهقي. تحقيق محمد عطا. مكة المكرمة: دار الباز. 1414هـ/1994م. ج7ص50.

([2]) ابن كثير، إسماعيل بن عمر: تفسير القرآن العظيم. ج4ص20. يقصدون بذلك الذبيح إسماعيل عليه السلام، ووالد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله كما في قصة عبد المطلب. 

([3]) البخاري، محمد بن إسماعيل: صحيح البخاري. تحقيق د مصطفى ديب البغا. بيروت: دار ابن كثير، اليمامة. ط3. 1407هـ/1987م. ج2ص703.

([4]) النيسابوري، مسلم بن الحجاج: صحيح مسلم. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار إحياء التراث العربي. ج1ص370.

([5]) البخاري: صحيح البخاري. ج1ص155.

([6]) سمّي الحطيم حطيماً؛ لأنهم كانوا إذا حالف بعضهم بعضاً ألقى الحليف في الحِجر نعلاً، أو سوطاً، أو قوساً أو عصا؛ علامة لقصد حلفهم، فسموه الحطيم، لذلك؛ لكونه محطم أمتعتهم". انظر: ابن حجر، أحمد بن علي: فتح الباري شرح صحيح البخاري. ج7ص159. والحطيم هو الحِجر نفسه.

([7]) البخاري: صحيح البخاري. ج3ص1410.

([8]) البخاري: صحيح البخاري. ج3ص1217.

([9]) البخاري: صحيح البخاري. ج3ص1173.

([10]) البخاري: صحيح البخاري.ج1ص398.

([11]) الحاكم: المستدرك على الصحيحين. وقال: هذا صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح. وصححه الألباني. انظر: الألباني، محمد ناصر الدين: الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب. ط1. غراس للنشر والتوزيع. ص549.

([12]) الترمذي، محمد بن عيسى: سنن الترمذي. تحقيق أحمد شاكر.بيروت: دار إحياء التراث العربي. ج4ص631. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.