الموقع الرسمي لفضيلة

تابعونا :

سبتمبر 16 , 2012 ميلادي

القتل على خلفية الشرف

طباعة المقال

السؤال: أرجو بيان توضيحي عما يحدث من قتل للبنات على خلفية الشرف.

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد، فقد صان الإسلام الأعراض والأموال واعتبرها محصنة  ومحرمة  بين المسلمين إلا بحق الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ الْمُسْلِمِ على الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ"([1]). وسدّ الشرع كلَّ الطرق الموصلة إلى ارتكاب جريمة الزنا، وفتح كل الأبواب المؤدية إلى العفاف، وأوجب العذاب الأليم للداعين للفاحشة، فقال سبحانه وتعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)"[سورة النور:19]. ونظراً لخطورة جريمة الزنا على الفرد والمجتمع، شدد الإسلام على طريقة إثبات هذه الجريمة، فإن لم يكن الاعتراف، سيد الأدلة، فتثبت بالشهود الأربعة العدول التي تتفق شهادتهم على ارتكاب الجريمة. ومن ثم كان العقاب زاجراً، فالحدود زواجر وجوابر، فعقوبة الزاني العزب ذكراً أو أنثى هي الجلد مائة جلدة: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)"[سورة النور:2]. وأما الزاني المحصن المتزوج ذكراً أو أنثى، فعقوبتهما الرجم حتى الموت، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وأما ما يفعله بعض الناس من المسارعة إلى قتل المرأة الزانية، فهو إزهاق لروح إنسانية دون مسوغ شرعي، وارتكاب لجريمة فظيعة، فالغالب أن تقتل المرأة البكر العزباء، وهذا ظلم وحرام وجريمة، واعتداء صارخ على نفس إنسانية صانها الشرع، قال سبحانه وتعالى: "وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ "[سورة الأنعام: 151]. وقد تكون المرأة الزانية حاملاً، فقتلها يؤدي إلى جناية أخرى على الجنين في رحمها، عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ أَنَّ امْرَأَةً من جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حُبْلَى من الزِّنَى فقالت يا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلِيَّهَا فقال أَحْسِنْ إِلَيْهَا فإذا وَضَعَتْ فائتني بها فَفَعَلَ فَأَمَرَ بها نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَشُكَّتْ عليها ثِيَابُهَا ثُمَّ أَمَرَ بها فَرُجِمَتْ ثُمَّ صلى عليها فقال له عُمَرُ تُصَلِّي عليها يا نَبِيَّ اللَّهِ وقد زَنَتْ فقال لقد تَابَتْ تَوْبَةً لو قُسِمَتْ بين سَبْعِينَ من أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ من أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى"([2]). والذي يقيم الحد في جريمة الزنا هو الحاكم المسلم ومن ناب عنه قال الإمام القرطبي "لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر هو الإمام ومن ناب منابه"([3])، وقال ابن قدامة الحنبلي: "الأصل تفويض الحد إلى الإمام لأنه حق الله تعالى"([4])، وقال الحنفية: "لان الحد حق الله تعالى يستوفيه الإمام أو نائبه"([5])، وقال الشافعية: "لا يقيم الحدود على الأحرار إلا الإمام، أو من فوض إليه الإمام"([6]). ففي قصة المرأة الجهنية لم يقم وليها الحد عليها، وإنما رُفع أمرها للنبي صلى الله عليه وسلم. ولا يقيم الأفرادُ الحدودَ، وأخذهم إقامة الحد بأنفسهم مدعاة للفوضى في أمر من أخطر الأمور، وهو متعلق بالنفس الإنسانية، كما أنه غالباً ما تقتل النساء بالشبهة التي تقل درجات عن جريمة الزنا، وأمر الشرع بدرء الحدود بالشبهات، كما أنّ هذه القتل غير صادر عن قضاء عادل، ولا حكم محكمة، ومن القتلة من يكون هو المجرم الفاعل؛ قتل ليمحو آثار جريمته. ولئن كانت جريمة الزنا استهتاراً بالأعراض فالقتل على خلفية الشرف بالوصف الذي ذكرناه استهتار بالأرواح. ومن اقترف جريمة الزنا ذكراً أو أنثى عليه أن يبادر فوراً بالندم والتوبة النصوح الصادقة الخالصة وأن يعمل من الصالحات ما يكفر ذنبه قال تعالى: "وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)"[سورة الفرقان:68-71]. وأما الذين يستهترون بأعراض الناس وينتهكونها فعليهم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى، وليعلموا أنّ الزنا دين إذا أقرضته كان الوفا من أهل بيتك فاعلم.




([1]) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب. باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله. رقم الحديث2564. ج4ص1986.

([2]) صحيح مسلم: كتاب الحدود. باب من اعترف على نفسه بالزنى. رقم الحديث1696. ج3ص1324.

([3]) تفسير القرطبي. ج12ص143.

([4]) المغني. ج9ص51.

([5]) الاختيار لتعليل المختار. ج4ص91.

([6]) المهذب.  ج2ص269.